أحمد بن محمد المقري التلمساني
24
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
واحتشاد الأطوار ، الحقّ نور إرشاد لا يطيق حسن ذاته ، إلّا من ركب ظهر شتاته ، فارفعوا الكلف ، واذكروا مجرى من تقدّم وسلف . وكان في أخرى : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ سورة الأنعام ، الآية : 91 ] لم تتركوا البراهين على أصلها ، ولا ناسبتم جنس هذه الموضوعات بفصلها ، وآثرتم شغبا طويلا ، وأوسعتم المتشابه تأويلا ، ولم تعتمدوا من العقل دليلا ، ولا وقفتم في مجازات العقول قليلا ، وهوّلتم باصطلاح غيركم تهويلا ، وادّعيتم الشهود ولم يجعل اللّه تعالى في الاحتجاج به إلّا للأنبياء سبيلا ، وبنيتم الحقائق على قياس ونظر ، من غير عين للعقل والنقل ولا أثر : [ الخفيف ] ربّ خلّ أدار فيّ اعتقادا * لم أكن قبله عرفت بفنّه حكمت نفسه على علم غيبي * جعل اللّه باطني عند ظنّه وعسى أن تكونوا ممّن أخطأ في اجتهاده فأثيب ، واستغفر فسمع لا تَثْرِيبَ [ سورة يوسف ، الآية : 92 ] « 1 » ، فثمرتكم صحيحة ، والمقاصد من التبعة مريحة ، إذا كانت صريحة ، ولولا الافتيات ، لوضحت في ميدان السبق لكم الشّيات ، لكن شأنكم الهذيان ، وقلبت منكم بضعفائكم من المتأخرين الأعيان ، كابن قسيّ وابن برجان ، فتبرؤوا من أتباعكم المطيفة ، وأحزابكم المخيفة ، وأخلصوا فعل الأنصار يوم قتال بني حنيفة ، وحبّذا الحكم المقتدي ، ومن يهد اللّه فهو المهتدي ، واكبحوا الألسن عن طلاقتها وذلاقتها ، ولا تكلّفوا العقول فوق طاقتها ، فلا بدّ من توقيف وتسليم ، وفوق كل ذي علم عليم ، وإذا محيتم فأثبتوا ، أو نطق الناس فاسكتوا ، ولا ترضوا أن تكبتوا مع الذين كبتوا ، ولكم الحظّ السني « 2 » ، والوصل الهني . وكان في أخرى : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ [ سورة الأنبياء ، الآية : 16 ] ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ سورة الدخان ، الآية : 39 ] ذهب بوجودكم العدم ، وابتلع حدوثكم القدم ، ورضيتم بالإشراف ، في الاستشراف ، والتوغّل لزيم الانحراف ، من جعل الحسّ وهما ، فقد كابر العيان ظلما ، والعقل الذي غلّطكم هو آلة حكمكم ، وأداة علمكم ، والعوالم أوثق من أن تكون تمويه راقش ، والوجود المطلق أبسط من أن يصير أبا براقش « 3 » ثم ما لكم والتبجّح
--> ( 1 ) أخذه من قوله تعالى : قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ . . . [ يوسف : 92 ] . ( 2 ) السنيّ : المضيء . ( 3 ) يشير إلى قول الشاعر : وأبو براقش كلّ لو * ن لونه يتلوّن وهو طائر صغير إذا هيج انتفش ريشه فتغير لونه ألوانا شتى .